أين يقف الدين؟

في دراسة اجراها مشروع مظلومة التابع لمؤسسة الحسين للدراسات قابل فيها 27 جاني ممن قتلوا إناث باسم الشرف بين عام 2000 و 2009 ، أكدّ  23 من هؤلاء الجناة أنّ الدين لم يكن هو السبب الذي جعلهم يقدمون على القتل وإنما المجتمع والعشيرة.

وفي دراسة اخرى قام بها مشروع طفلة على 2011 اسرة اردينة من مختلف منطاق الأردن تبين ان  29 % من الأسر يعتقدون أن مصدر قناعاتهم هي العادات، و 25,1 % مصدرها القناعة الشخصية، و 16 % للمجتمع، 15,5 % للدين.

اذن يتضح من هذا ان المجتمع والعادات والتقاليد هي التي تلعب الدور الرئيسي في تشكيل قناعات من يقتلون باسم الشرف لا الدين ، ومع هذا فان الكثيرين يعتقدون ان الدين والإسلام بالأخص هو المصدر الأساسي التي يتكأ عليه من يقتل باسم الشرف ليحلل جريمته ويدعمها بأن الإسلام عاقب على الزنا بالرجم حتى الموت للمتزوجين وبأن الرسول محمد عليه الصلاة والسلام طبق عقوبة الرجم حتى الموت بناء على نظرة الشريعة الإسلامية. فما هو راي الدين !

كي نعرف موقف الدين من القتل باسم الشرف علينا اولا ان نعرف موقف الديانات من الزنا

* ملاحظة: الدراسة هذه مأخوذة من بحث قامت به الدكتورة الأردنية منجية السوائحي تحت عنوان بحث في جرائم الشرف (نظرة إسلامية)

اليهودية:

تحدثت التوراة عن عذرية الفتاة العروس. وحُكمُها فيها إذا ادعى الزوج عدم عذريتها وَصَحَّ ذلك بِرَجم الفتاة حسب هذا النص التوراتي “…إذا ثبتت صحة التهمة، ولم تكن الفتاة عذراء حقا، يُؤتى بالفتاة إلى باب بيت أبيها ويَرجُمُها رجال مدينتها بالحجارة حتى تموت، لانها إرتكبت قباحة في إسرائيل، وَزَنَت في بيت أبيها، وبذلك تستأصلون الشر من بينكم”

و تحت عنصر “أحكام في الزنا والاغتصاب ” نقرأ هذه النصوص: “و إذا ضبطنم رجلا مضطجعا مع امرأة متزوجة تقتلونهما كليهما فتنزعون الشر من وسطكم”

“و إذا التقى رجل بفتاة مخطوبة لرجل آخر في المدينة وضاجعها فأخرجوهما كليهما إلى بوابة المدينة وأرجموهما بالحجارة حتى يموتا”

المسيحية:

نقرأ في الانجيل تحت عنوان “الزانية أمام يسوع”: “وأحضر إليه معلّمو الشريعة والفريسيون امرأةً ضُبطت تزني، وأوقفوها في الوسط، وقالوا له: “يا معلم، هذه المرأة ضُبِطَت وهي تزني، وقد أوصانا موسى في شريعته بإعدام أمثالها رجماً بالحجارة فما قولك أنت… فاعتدل وقال لهم: “من كان بلا خطيئة فليرجمها أولاً بحجر… فلما سمعوا هذا الكلام انسحبوا جميعا واحداً تلو الآخر… وبقي يسوع وحده والمرأة واقفة مكانها فاعتدل وقال لها:

“وأين هم أيتها المرأة ؟ ألم يحكم عليك أحد منهم.”

أجابت لا أحد يا سيدي.

فقال لها:

“و أنا لا أحكم عليك، إذهبي ولا تعودي تخطئين”

و يبطل يسوع حكم الرجم بمقولته هذه فتنسخُ شريعتُه شريعةَ موسى عليه السلام.

الإسلام :

من يقرأ الايات القرآنية لا يجد فيها ذكراً لرجم الزاني والزانية، وإنما يجد تشنيعا بالزنا ونهياً عن قربه:”و لا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا.”(الاسراء: 32)

و من يقرب الزنا فالحكم في فِعلته الجلدُ بمنطوق هذه الاية “الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر وليشهد عذابَهُما طائفة من المؤمنين.” (النور 2)

و قد نسخت هذه الاية حكماً سابقا في الزنا. فقد كانت عقوبة الزنا في صدر الإسلام الحبس في البيوت والايذاء بالتعبير أو الضرب والأصلُ في ذلك قوله تعالى: “واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوافهنّ الموت أو يجعل الله لهن سبيلا، واللاذان يأتيانها منكم فأذوهما فإن تابا وأصلحا فاعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما” (النساء: 15 – 16)

و لما نزل حكم الجلد صحبته شروط للشهادة:

الشهادة على الزنا:

أول شرط أربع شهداء بدلالة قوله تعالى: “و اللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهنّ أربعة منكم” (النساء 15)

 وقوله “و الذين يرمون المحصَّنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة” (النور: 4). وقوله “لو لا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذا لم يأتوا بالشهداء، فأولئك عند الله هم الكاذبون” (النور: 13).

و في السُنَة النبوية الشريفة ما يؤكد هذا العدد فهذا السعد بن عبادة يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: “أرأيت لو وجدت مع امرأتي رجلا أمهِلُهُ حتى آتي بأربعة شهداء؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم.

و قال عليه الصلاة والسلام لهلال بن أمية لما قذف زوجته بشريك ابن سحماء: “أربعة شهداء وإلا حدّ في ظهرِك”. وهذا قبل نزول آيات اللعان.

فالاجماع منعقد على أربعة شهود في جريمة الزنا “لأن حدّ الزِنا منوط في الواقع بإقرار الزاني، فإذا لم يقر الزاني، فإنه لا يمكن اثباته عليه بالبينة، لأنه لا يثبت إلا بأربعة شهود عدول، يرون الايلاج بالفعل، وذلك ان لم يكن مُحالا، فهو متعذر.

1_ عدالة الشهود كما بينّا وأن يكونوا ممن لم يطلق عليهم حد على جرم ارتكبوه.

2_ أن تكون الشهادة بالتصريح لا بالتلميح ولا بالكتابة ولا بالإشارة.

3_ اتحاد المجلس أي أن يدلي الشهداء بشهادتهم مجتمعين في مجلس واحد ولا يحضرون متفرقين، فإذا جاؤوا متفرقين ثم اجتمعوا تُرد شهادتهم ويعتبرون فسقة ويقام عليهم حذ القذف.

4_الاتفاق الكلي بين الشهداء الأربعة فإذا خالف احدهم أو تراجع أو تخلخل في شهادته يسقط عن المتهم الحد، ويقام حد القذف على الشهود.

5_ معاينة الشهداء الأربعة لعملية الزنا معاينةً واضحة لا شبهة فيها، وأدنى شك يُسقِطُ الحكم.

*اما  عقوبة الزنا للزوج والزوجة في حال عجزوا عن توفير 4 شهود فيتتوضح بالآية التالية

“والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء الا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه ان كان من الكاذبين ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها ان كان من الصادقين” (النور:7-8)

 وهذا يعني ان كل من اتهم زوجته بالزنى ولم يكن معه أربعة شهداء فالحكم هو الِلعان. وكيفية اللِعان يبدأ القاضي بالرجل فيحلف أربع شهادات يقول:”أشهد بالله لرأيتها تزني” ويقول ذلك أربع مرات والخامسة يقول: “لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين”.

ويَدرأُ عنها العذاب أن تشهد فتقول: “أشهد بالله ما رآني أزني، أشهد بالله ما رآني أزني”. تقول ذلك أربع مرات والخامسة: أن غضب الله عليها ان كان من الصادقين.

 السنة والرجم:

وردت مجموعة أخبار تثبت أن الرسول طبّق حكم الرجم:

1_نقرا في الموطأ أن عبد الله بن عمر قال جاءت اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما تجدون في التوراة في شأن الرجم”، فقالوا: “نفضحهم ويجلدون”، فقال عبد الله بن سلام: “كذبتم ان فيها آية الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم ثم قرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام:”إرفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية الرجم فقالوا: “صدق يا محمد فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلّم فرُجما”.

حكم الرسول عليه الصلاة والسلام هنا من التوراة وليس من عنده هو. فلننظر في الأخبار التي تسند الرجم الى رسول الله.

2_ قضية ماعز بن مالك الأسلمي: في الخبر هذا النص: أن رجلا من أسلم جاء الى أبي بكر الصديق فقال له:

 ان الآخر زنى فقال له أبو بكر:

 هل ذكرت هذا لأحدٍ غيري. فقال:

 لا. فقال له أبو بكر:

 فتب الى الله واستتر بستر الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده فلم تقره نفسه حتى أتى عمر بن الخطاب فقال له مثل ما قال لأبي بكر فقال له عمر مثل ما قال له أبو بكر فلم تقره نفسه حتى جاء الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له:

 ان الآخر زنى. فقال سعيد:

 “فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات كل ذلك يعرض عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا أكثر عليه بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله فقال:

 أيشتكي أم به جنة. فقالوا:

 يا رسول الله والله انه لصحيح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

 أبكر أم ثيب. فقالوا:

 بل ثيب يا رسول الله

فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فرُجِم

3_ قضية الغامدية:

جاءت امرأة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته أنها زنت وهي حامل فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:

 اذهبي حتى تضعي

 فلما وضعت جاءته فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم

 اذهبي حتى ترضعيه

 فلما أرضعته جاءته فقال:

 اذهبي فاستودعيه

ثم جاءت فأمر بها فرُجمت

4_ وهذا شاب يعترف لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالزنا فيجلده، ثم يقول هذه الكلمة الرائعة هذه الحكمة الخالدة: ” أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله من أصاب من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله” [

هذه جملة أخبار اثبتت أن الرسول أقام حد الرجم وحدّ الجلد على الزاني كل حسب حالته. ولكن الملاحظ أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن من المسرعين إلى تطبيق العقوبة وإنما كان يراجع المعترف على نفسه المرة تلو المرة علّه يتراجع أو يقر، فلا يطبق عليه الحد حتى أن بعض الروايات تذكر كلامه مع ماعز حيث قال له: لعلك قبلت، أو غمزت، أو نظرت؟ فقال: لا

وقول الرسول هذا له تعريض منه له بالرجوع عن الاعتراف والستر على نفسه، ولما أقيم عليه الحد فرّ، ولكن راجميه منعوه وضربوه حتى مات. ولما اعلموا رسول الله بذلك، قال:

 هلا تركتموه.

كل هذا يدل على التالي

 *لا نصّ صريحاً من القرآن يدعو إلى الرجم، ولا نص من السنة قولا أو فعلا أو اقراراً يرغّب في الرجم ويحثّ عليه، وعلى العكس من ذلك كل ما وصلنا من نصوص لاحظنا أنها تنفّر من الرجم ولا تحبذه، وتبحث عن أسباب عدم تنفيذه، وكل ما وجد من حالات رجم وقعت في حياة الرسول، إن صحت الأخبار، كانت نتيجة لإصرار أصحابها على تطهير أنفسهم من ذنب الزنى ولا يمكن أن تتخذ سنةً حميدةً نعضُّ عليها بالنواجذ، ومن ثم يمكننا إيقاف عقيدة الرجم، ومخالفة السنة عملا بهذه القاعدة، “عدم تأبيد بعض أحكام السنة”، واتباعا لعمل عمر بن الخطاب الذي أوقف حكم قطع يد السارق، ولأن الرسول عليه الصلاة والسلام ما رَغِبَ يوماً في الرجم.

*  يَمنع وجود الرجم –عقليا- اشتراطُ حضور أربعة شهداء عدول وثقات رأوا المرأة والرجل في حالة زنى، لأن هذا الشرط لا يكاد يتحقق بل من المستحيل أن يتحقق على أرض الواقع. فكأن الاسلام بهذا الشرط أراد التأسيس للستر على الناس، فضيّق سبل الكشف عن هذه الجريمة، ومن الأولى أن يقتدي الإنسان بشرع الله فيستر على الناس، عوض اتهامهم، والإسراع إلى قتلهم لمجرد الظن.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: