أرشيف المدونة

«لا شرف في الجريمة» لمواجهة ثقافة غسل العار في الأردن

صورة تعبيريّة - المصدر: الإنترنت

الإثنين, 12 سبتمبر 2011
عمان – ماهر الشوابكة

لم تكن سميرة تدرك أن طلب دفتر محاضرات زميلها سيؤدي بها الى أن تفقد أكثر من نصف حياتها إذ حولتها رصاصة غادرة من شقيقها الى شبه إنسان. فهي اليوم طريحة الفراش لا تقوى إلا على تحريك عينيها، فيما تقوم على رعايتها أم سبعينية انحنى جسدها استسلاماً لنوائب الدهر وضربات مصائبه.

بلا مقدمات تلقت العشرينية سميرة رصاصة استقرت في عمودها الفقري, لا لشي سوى لجلوسها مع أحد زملاء الجامعة تنقل من دفتره محاضرة فاتتها. عاجلتها الرصاصة وكانت الضربة القاضية التي غيرت حياتها وأحالت زهرة شبابها الى مجرد رماد.

سميرة ليست الفتاة الأولى ولن تكون الأخيرة في مسلسل غسل العار الذي تغرق فيه بعض المجتمعات المحلية المنغلقة في الأردن، فهناك الكثير ممن هن على قوائم الذبح اليومي أو تلقين طعنة أو رصاصة من عزيز هو نفسه ضحية معتقدات عار وهمي. فلا يكاد يمر يوم من دون أن تقع جريمة من هذا النوع تهز أوصال المجتمع الأردني.

زينب مثلاً لم يكن دمها قد جف بعد في غرفة الولادة في مستشفى الأميرة إيمان في بلدة معدي (30 كلم غرب العاصمة عمان) حين فاجأها والدها بدخوله الغرفة ليزرع 5 رصاصات في جسدها الغض بذريعة «غسل العار». وقعت الجريمة قبل أسبوعين.

وناريمان التي تم تشويه وجهها بـ «ماء النار» كي لا يعرفها أحد، نهشت الوحوش جسدها بعدما ألقى به ذووها في منطقة أحراش محافظة عجلون (40 كلم شمال عمان) الثلثاء الماضي، الى أن عثر عليه أحد الرعاة وأبلغ الشرطة.

حالات القتل والتشويه لا تتوقف والسبب «غسل العار» فيما قانون العقوبات الأردني لا يتضمن عقوبة في مثل هذه القضايا أكثر من الحبس 7 سنوات لاحتوائه على بند العذر المخفف في حالات جرائم الشرف. وكان مجلس النواب الأردني رفض مرتين تعديل المادة 340 من قانون العقوبات التي تفرض عقوبة مخففة على مرتكبي جرائم الشرف على رغم ضغوط تمارسها منظمات تعنى بحقوق الإنسان من أجل تشديدها.

وبحسب منظمات حقوقية، بلغ عدد ضحايا جرائم الشرف في السنوات العشر الماضية 112 فتاة لا لذنب اقترفنه سوى أن أحد أفراد أسرهنّ قرر أنّ حياتهنّ أصبحت فائضاً عن الحاجة.

وإزاء انتشار هذه الجرائم, تداعى شبان وشابات أردنيون لإطلاق حملة «أين نقف» بهدف توثيق 200 حالة أو جريمة في قضايا تتعلق بـ «الشرف» ارتكبت ضد أردنيات في الفترة الماضية بحسب منسقة الحملة ريم مناع.

ومن أبرز النشاطات الشبابية التي ستقود وتنظم الحملة منتصف أيلول (سبتمبر) المقبل, حركة «لا شرف في الجريمة»، التي بدأت نشاطها قبل عامين ونصف العام في محاولة للحد من هذه الجرائم، عبر تجــمع شباب مهـــتمين بالقـــضية، وتبادل الآراء حولها عبر الإنترنت، ثم توثيق قصص جرائم القتل ضد النساء.

ويحتوي أرشيف «لا شرف في الجريمة» 44 قضية قتل، واستطاعت الحملة الوصول الى أحكام لـ 22 قضية، علماً أن غالبية القضايا التي لم يصدر فيها الحكم وقعت في العام الحالي ولم تتوصل فيها المحكمة بعد إلى قرار.

ومن أصل 22 جريمة تم إصدار الحكم فيها تبين أن 21 نال مقترفها تخفيفاً في الحكم. أما أسباب التخفيف فتعود إما لإسقاط الحق الشخصي, كما في 17 حالة أو لإرجاع القتل لـ «سورة الغضب» الواردة في المادة 98 من قانون العقوبات، وهو ما جرى في 3 جرائم.

مناع قالت إن الهدف الأساسي للحملة، «خلق وعي مجتمعي حول قضايا الشرف، لإحداث تغيير في نظرة المجتمع لهذا النوع من القضايا».

ويصل عدد الناشطين في الحملة الى 27 متطوعاً موزعين على 4 فرق، شاركوا قبل الانضمام للحملة بورشة تدريبية لتأهيلهم حول طرق التنظيم المجتمعي وسبل إحداث فرق في محيطهم. وعن مغزى تسمية الحملة بـ «أين نقف» تقول مناع: «هذا العنوان سيجعل كل شخص يسأل نفسه فعلاً أين يقف من الظلم الواقع على المرأة التي تزهق روحها باسم الشرف».

وتشارك في الحملة فتيات تعرضن شخصياً لتهديدات بالقتل بداعي الشرف، أو لاطلاعهن عن قرب على حالات لفتيات قتلن لهذه الأسباب، ومنهن سهى (اسم مستعار) التي رأت قريبتها تقتل غسلاً للعار.

وتروي مناع قصة متطوعة أخرى تبلغ اليوم 45 سنة، وكانت هربت من عائلتها وهي لا تزال في الخامسة والعشرين من عمرها. كانت تعرضت للاغتصاب على يد قريبها، فقرر والدها قتلها. هجرت بلدتها وبدأت حياة جديدة في مكان آخر كاتمة سرها عن الجميع.

وتتذكر جانيت وهي طالبة جامعية ناشطة في «أين نقف» جارتها التي قتلها والدها بداعي الشرف. وتقول: «تحقيقات الشرطة كشفت لاحقاً حقيقة مرة وهي أن الفتاة وقعت ضحية والدها الذي اعتدى عليها جنسياً مرات متكررة بعلم أمها التي لم تنطق بكلمة. والنتيجة وفاة الفتاة بحادثة شرف… مع أن المذنب والدها ووسط صمت والدتها».

ولا تقتصر الحملة على الفتيات فقط، بل يشارك فيها شباب مثل سفيان الذي شاءت الصدفة، كما يقول، أن يكون في ميدان جمال عبد الناصر المعروف بـ «دوار الداخلية» وسط العاصمة عمان، شاهداً على محاولة انتحار فتاتين. ويروي سفيان: «كنت من ضمن الذين علقوا في زحمة السير بسبب هذه الحادثة واضطررت للوقوف فترة طويلة، فروعتني محادثة دارت بين أشخاص من حولي، انهالت فيها الأحكام على الفتاتين وتم اتهامهما من دون الاستناد إلى أي معلومة، بأنهما ارتكبتا شيئاً مخلاً بالأخلاق، لذلك تريدان الانتحار».

ويقول سفيان إن ما حدث جعله يرغب في كسر صمته عبر انضمامه إلى الحركة، رافعاً شعار رفض منطق التسلط والقتل في التعامل مع المرأة.

أما شيرين، فتستعيد بفرح قصة إنقاذها وزميلاتها في المدرسة لحياة زميلتهن التي كان أبوها على وشك قتلها، عندما عثر على هاتف نقال بين أغراضها. وتقول شيرين: «قررت الذهاب وزميلاتي الى منزل زميلتنا إثر تغيبها وبعدما علمنا أنها في وضع خطر. دخلنا وهالنا ما رأيناه من علامات تعذيب على جسدها. كان والدها قد دق جسدها بمسامير، لحظتها شعرنا بأن علينا إنقاذها مهما كان الثمن، وقررنا أن نخبره بأن الهاتف لي أنا وليس لابنته، وهذا ما كان، ليتم إنقاذ حياة الفتاة».

والحملة ليست مجرد نيات حسنة وشعارات رنانة. فهي تتكون من فريق قانوني يدرس الحالات من وجهة قانونية، وكذلك من تحالف مبادرات أردنية لتحديد المطلب القانوني للحملة، وفريق لمتابعة المحاكم والإعلام، ويهدف الى متابعة ومراقبة القضايا المتعلقة بجرائم الشرف في المحاكم، ومتابعة كيفية تغطية الإعلام لها وتعامل الشارع عند قراءته لهذه القضايا ورد فعله عليها.

وتضم الحملة أيضاً فريق التوثيق القصصي، لتوثيق 200 قصة عن طريق التدوين والأفلام القصيرة التي تضم قصص ضحايا دفعن حياتهن مقابل ما يسميه المجتمع بـ «الشرف» وروايات ضحايا قابعات وراء جدران مؤسسات الحماية لأنهن مهددات بالقتل, وذلك بالإضافة الى فريق التعلم والطلبة، بهدف خلق وعي مجتمعي ضد هذه الجرائم بالشراكة مع المدارس والجامعات.

رابط الخبر.

Advertisements

من الصحافة: “جرائم الشرف” ستار يخفي دوافع خادعة تستفيد من العذر المخفف

نشر :25/07/2011

عمان- قررت مهى الفتاة الشابة الخروج من دوامة الدعارة التي امتهنتها عائلتها فقتلها شقيقها لتمردها مدعيا “تطهير سمعة العائلة”، وهو عذر يشكل في غالب الأحيان ستارا يخفي دوافع أخرى في بلد محافظ ينال مرتكب “جريمة الشرف” فيه حكما مخففا.

وفي مجتمع ذكوري يشكل مصطلح “جرائم الشرف” واجهة قد تكون خادعة.

ويؤكد قضاة ومحامون وناشطون وخبراء أن معظم هذه الجرائم لا علاقة لها بالشرف حيث يستغل الذكور ليونة القانون وجهل المجتمع فيقتلون إناثا بسبب الميراث أو خلافات عائلية أو لإخفاء جرائم أخرى.

وتقول إسراء الطوالبة، أول طبيبة شرعية في الأردن، إن “مهى (18 عاما) أرادت التوقف عن ممارسة الدعارة التي امتهنتها العائلة، فقتلها شقيقها عام 2006”.

وتضيف أن الجاني كان “يتعاطى المخدرات وصاحب سجل إجرامي وكان يعمل في الدعارة في شرق عمان”.

وتوضح أنه “سلم نفسه للشرطة وادعى قتلها لتطهير شرف العائلة. وبطبيعة الحال أثبتت الفحوصات أنها عملت بالدعارة وحكم على شقيقها بالسجن لعامين فقط إذ استفاد من حكم مخفف”.

وتضيف “لم يكترث أحد لرغبة الفتاة في التوقف عن ممارسة الدعارة. وبالتالي استطاع شقيقها الحصول على عقوبة مخففة لأن مجتمعنا ذكوري، ولم يكن ذلك عادلا”.

ورفض مجلس النواب مرتين تعديل المادة 340 من “قانون العقوبات” التي تفرض عقوبة مخففة على مرتكبي جرائم الشرف رغم ضغوط تمارسها منظمات تعنى بحقوق الإنسان لتشديدها.

وبحسب تلك المادة “يستفيد من عذر مخفف من فوجئ بزوجته أو إحدى أصوله أو فروعه أو أخواته حال تلبسها بجريمة الزنا أو في فراش غير مشروع فقتلها في الحال أو قتل من يزني بها أو قتلهما معا أو اعتدى عليها أو عليهما اعتداء أفضى إلى موت أو جرح أو إيذاء أو عاهة دائمة”.

كما تستفيد من العذر ذاته الزوجة لكن إذا فاجأت زوجها “في مسكن الزوجية” فقط.

ويستفيد الجاني وفقا للقانون كذلك من عذر مخفف لارتكابه الجريمة “في ثورة غضب”.

ويتراوح معدل ما يسمى بجرائم الشرف في المملكة سنويا بين 12 و14 جريمة، فيما سجلت 17 جريمة من هذا النوع في 2007.

ويقول المتحدث الرسمي باسم المجلس القضائي القاضي جهاد العتيبي “لا أذكر وقوع جرائم تنطبق عليها المادة 340 منذ أكثر من 50 عاما، وما يحدث من جرائم قتل هي جرائم تتستر بالدفاع عن الشرف لدوافع عديدة”.

ويوضح أنه “في كثير من هذه الجرائم يدعي الجاني ارتكاب جريمته دفاعا عن الشرف وبعد التحقيق يتبين وجود أسباب مثل الميراث أو خلافات عائلية”.

واعتبر العتيبي أن “جهل المجتمع يصنع جريمة الشرف، ويحض الجاني على ارتكاب الجريمة وادعاء الدفاع عن الشرف هو مجرد واجهة للتغطية على جريمة قتل”.

وأكد أن “معظم ضحايا هذه الجرائم تبين بعد فحصهن أنهن عذارى”.

وفي مطلع آب (اغسطس)، أطلق شاب يبلغ من العمر 26 عاما النار على شقيقته (23 عاما) غير المتزوجة في جنوب عمان فأرداها لتغيبها عن المنزل أربعة أشهر برفقة شخص، إلا أن الفحوصات أثبتت أنها عذراء.

ووفقا لتقرير “هيومن رايتس ووتش” فإن 95% من النساء اللواتي قتلن عام 1997 في الأردن ثبت أنهن بريئات.

بدورها، ترى المحامية أسمى خضر، الأمينة العامة للجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة، أن “التهاون الموجود سابقا في تطبيق القانون قد تراجع مؤخرا”.

وقالت إن “عدد هذه الجرائم في تناقص، فقبل عشر سنوات كان معدلها بحدود 20 إلى 25 حالة سنويا أما في السنوات الخمس الأخيرة فتناقصت إلى نحو 15 حالة سنويا”.

وتؤكد خضر، الوزيرة السابقة، أن “هذه الممارسة تؤثر على واقع المرأة بشكل عام، فهي قد تتجنب الخروج للعمل أو الانخراط في الحياة العامة خوفا من القتل أو الابتزاز”.

وقالت “صحيح أن النساء أعطين حقوقا سياسية لكن وجود مثل هذا السلوك عند المجتمع والتهديد والتشكيك والابتزاز الذي يتعرضن له في مجتمع قابل لتصديق الإشاعات والأقاويل يدفعهن إلى التخلي عن الأدوار العامة”.

من جانبها، تقول المحامية رحاب القدومي من منظمة العفو الدولية إن المادة 340 من قانون العقوبات “تشترط وجود ثلاثة عناصر ليتم تطبيقها وهي التلبس والمفاجأة والانفعال الفوري”.

وأوضحت أن “اجتماع العناصر الثلاثة يمنح الجاني العذر المخفف بعد أن كان قبل عام 2002 يمنح الجاني البراءة”.

وترى القدومي ضرورة إلغاء المادة 340 لتطبيق الشريعة الإسلامية التي تفرض وجود أربعة شهود عاقلين بالغين لإثبات الزنا وإنزال العقوبة.

من جهته، يقول سري ناصر أستاذ علم الاجتماع، إن دوافع جرائم قتل الأنثى تنسب إلى الدفاع عن الشرف لاستدراك عواقب جريمة القتل وهي الإعدام أو السجن المؤبد.

ويضيف أن “الإخلال بالشرف عند المجتمع يعني خروج الفتاة عن عاداته وتقاليده بسلوك معين غريب أو اكتسابها سمعة سيئة أو حتى لمجرد أقاويل أو إشاعات”.

رابط المقال.